اخبار محليةكتابات

أربعينية أحمد عبدالله علي بن حمدون

المشهد الجنوبي/ كتب /عيسى سليمان العجمي

بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
قال تعالى: ((يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً))

السيدات والسادة الحضور:
من واجبنا ونحن نتناول أربعينية الفقيد والأخ والصديق العزيز أحمد عبدالله بن حمدون أن نتقدم أولا بأحر التعازي إلى أسرة الفقيد وأخوانه وزملائه ومحبيه.. ونشاطرهم الحزن، وندعو الله – تبارك وتعالى- أن يربط على قـلـوبهم بالصبر والسلوان، ويجزيهم الثواب، ويتغمد الفقيد برحمته وأن يدخله جنته الواسعة.

ولقد أنتابتني مشاعر متدفقة من الحزن، وغمرتني عواطف وأحاسيس من الألم، وأنا أكتب هذه السطور، لأني ما كنت أظن يوما بأني سأقف في هذا الموقف الحزين مؤبّناً لصديقي العزيز وأستاذي الكبير أحمد عبدالله بن حمدون، بهذه العجالة، وأفتقده بهذه اللحظة الفارقة من حياتي المهنية والشخصية خاصة وحياة أبناء سقطرى عموما، والذي عرفته لفترة وجيزة لا تتجاوز الشهر ولكنها كانت كافية لأعرفه جيدا عن قرب وبما أكتسبته منه من خبرات عملية وإدارية وفوائد وأخلاق وصدق وأمانة واخلاص في العمل الإداري الممزوج بالإنسانية الحقة من غير تصنع، لأنها كانت تعبر عن معدن أصيل وتنبع من شعور إنساني جارف ورغبة جامحة في إصلاح أحوال الناس، وانتشالهم من عالم البؤس وبراثن الفقر والحاجة إلى دنيا النور والتقدم والرفاهية والرخاء المادي والثراء المعنوي، لقد كانت تلك الفترة ثرية بكل معنى الكلمة وقيّمة لا تقدر بثمن بالنسبة لي، لذلك يظل فقيدنا العزيز تلك المدرسة المتكاملة فكرا وعملا.. والمنهل الذي ننهل منه أبجديات العمل الإداري الحديث الذي يقوم على أساس المهنية والاخلاص والتفاني في العمل ونظافة اليد والنزاهة وكسب رضى الجمهور من خلال تقديم الخدمة الممتازة والسهر على سلامة وراحة المجتمع، وتحقيق أكبر قدر من الإنجازات الوطنية.. بالإضافة إلى حسن المعاملة والتواضع واحترام الكبير والعطف على الصغير وزيارة المريض وتقدير الشخصيات التي كان لها دورا تاريخيا وجهودا وطنية مشهودة، والإهتمام بالفقراء والمهمشين والنشاط الدائم والمستمر والنزول الميداني والشجاعة الإدارية في إتخاذ القرارات الصعبة والدفاع عنها وتنفيذها على أرض الواقع وإزالة العوائق والعقبات التي قد تعترض هذه القرارات في أثناء التنفيذ بنفسه، وقد كان قائدا من الطراز الرفيع في حياته وتصرفاته وتصديه للمعضلات واتخاذ القرارات الصعبة وتحمل المسؤولية الناتجة عن تصرفاته وقراراته ومواجهة النتائج، وهي مميزات القادة العظام، وهي المبادئ الأساسية التي يقوم عليها فن الإدارة الحديثة التي تجمع بين الأصالة والحداثة وبين الماضي العريق والحاضر المعاش والمستقبل الواعد، وسخّر حياته في العمل والبناء المتسارع وكأنه يسابق الزمن أو كأنه كان على موعد مع الرحيل الذي أزف ويريد أن يترك أثرا طيبا في قلوبنا وذكرى رائعة لا تنسى في نفوسنا، وقد فعل ذلك بجدارة واقتدار، وهي مشاهد غير معهودة وتصرفات غير مألوفة لأنها جديدة على مجتمعنا السقطري واليمني بشكل عام الذي لم يألف مثل هذه الأمور من قبل، ودرج على الفوضى والإهمال والتسيب الإداري وانعدام الجدية وغياب الجدوة في الوظيفة العامة.. ولقد كانت حياة أبن حمدون مملوءة بعمق المعاني الإنسانية والصدق والوطنية الحقة والنقاء والتواضع والإيمان بالمستقبل الزاهر للوطن بشكل عام ولسقطرى خاصة مخلصا للقضايا الإنسانية الكبرى، ويحمل رسالة التنوير والإصلاح والتطوير والعمل من أجل حياة أفضل لشعب هذه الجزيرة رضى من رضى وسخط من سخط ولا يخاف في لله لومة لائم، لذلك فقد كان حضوره أشبه ما يكون بالشمس المشرقة التي تمنحنا النور والدفئ والخير والعطاء والتقدم والإزدهار في فترة وجيزة قياسا على تقدم الشعوب ونمو الحضارات البشرية ، حيث أحدث نقلة نوعية وقفزة حضارية عملاقة في شهور قليلة تُعد على أصابع اليد الواحدة، وهو بذلك صنع المعجزة ليشكل ظاهرة متميزة وغير أعتيادية ونقطة فارقة ومضيئة في تاريخ العمل الإداري في أرخبيل سقطرى وفي اليمن بشكل عام، وله يعود قصب السبق في ترسيخ الكثير من المبادئ الإدارية الجديدة في نفوس القادة والإداريين السقاطرة.. ولقد كانت حياة بن حمدون مملوءة بالنشاط والحيوية والتفاؤل والأمل ويتمتع بروح مشرقة بالحب والأمل والحرية والعمل والنشاط الذي لا تحده حدود ولا يرده سقف.. أنه أسطورة قد لا تتكررة مرة أخرى في القريب المنظور.. لذلك يجب أن نُحيي ذكر هذا الطود الشامخ الذي صنع لنا مجدا وتاريخا جديدا وشق لنا طريقا نحو الحرية والتقدم والإزدهار، ولقد رحل بن حمدون وهو يبذل قصارى جهده ويوصل الليل بالنهار من أجل نهضة سقطرى وبغيابه فقدنا رجلا عاملا جادا صادقا ومحبا ومخلصا لوطنه أرضا وإنسانا، وقال بعض المفكرون بأنه لا يموت الإنسان لمُجرَّد مغادرته لهذه الحياة جسدا، إذا كان من هؤلاء الذين خطـّوا مسيرتهم البطوليّة، بأعمال جليلة وخدموا أوطانهم وتفانوا في خدمة شعوبهم، بل سيبقون هؤلاء إلى الأبد، لأن شعوبهم ستعمل على احياء ذكراهم بطرق مختلفة. ويُذكر كل واحدٍ منهم ذكراً يتناسب مع عطائه، ولذلك لا ينبغي أن تنتهي حياة بن حمدون لمُجرَّد أنه رحل عن دنيانا بدنا، لأن أعماله وأخلاقه، ومواقفه، وعطاءاته باقية، لذلك يجب أن تبقى تتفاعل في داخلنا، فنعكسها كأمانة إلى الأجيال اللاحقة.. وأجمل الذكر للإنسان أن يكون بعد موته لأنه يكون ذكرا صادقا نابعا عن الوفاء والأخلاص: وقال بعضهم لا يكون الصديق صديقاً حتى يذكر أخاه في ثلاث: في غيابه، وفي مِحنته، وبعد مماته.. لقد ترك الفقيد بن حمدون سيرة محمودة وسمعة عطرة تملأ الآفاق، وغادر دنيانا الفانية مخلفا حزنا كبيرا في قلوب محبيه، وحبا لن ينسى في قلوب كل الذين عملوا معه، وذكريات لا تمحى وستبقى مطبوعة على جدار القلوب مدى الحياة، ولن تغيب أعماله عن ذاكرة الأجيال من أبناء الشعب السقطري لفترة طويلة من الزمن.
وفي الختام لا يفوتنا بأن نتوجه بالشكر الجزيل للأخوة الذين أعدَّوا لهذا اللقاء وكل من ساهم بهذه الأربعينية وكل من واسانا بمصابنا، وأدعو الله بأن يغفر لفقيدنا ويشمله بواسع رحمته ويسكنه في أعلى درجات الجنة مع الأنبياء والشهداء والصدقين أنه على كل شيء قدير.

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق